بالوثائق..البعثيّون أعدموا الآلاف من حرائر العراق

0
1041

عبد الرحمن اللامي …
أهداني صاحبي كتاباً تقرب صفحاته المائتيْن، وهو صادر عن مؤسّسة الشهداء العراقيّة في سنة 2011م، وعنوانه (1000 شهيدة عراقيّة من ضحايا النظام البائد) يبدأ بالتسلسل: (1- آمنة حيدر اسماعيل الصدر) وينتهي بالتسلسل: (1000- يسير حمزة عبيس سرحان) وقد كُتبت العبارة التالية بعدها: (1000) شهيدة تمّت المصادقة عليهنّ من قبل اللجنة الخاصة، ولا زال العدد في تزايد.
هذه الأسماء النورانيّة هي أسماء لشخصيّات نسائيّة عراقيّة رفضْن الذلّ والاستكانة والهوان، وتمّ إعدامهنّ من قبل الطغمة البعثيّة ـ التي حكمت العراق عشرات السنين ـ بحبال المشانق، أو بالكرسي الكهربائي، أو تمّ تصفيتهنّ بقسوة التعذيب في أيام التحقيق الرهيبة، أو ذابت أجسادهنّ في أحواض التيزاب المعروفة، أو بغير ذلك من الوسائل الكثيرة.
وهذه الأسماء اللامعة هي أسماء قد صادقت عليها اللجان القضائيّة الخاصة، بعد مطالبة ذويها بالحقوق الدستوريّة لها في العراق الجديد، وإنّ هناك الآلاف من المجاهدات الشهيدات ممّن لم يطالب أحدٌ بالمصادقة على استشهادهنّ، لبقاء ذويهنّ في الغربة والتهجير الى هذا اليوم، أو لتصفية ذويهنّ معهنّ في المقابر الجماعيّة وغيرها.
هذا العدد من أسماء الشهيدات اللواتي تَوثّقْن في مؤسّسة الشهداء التابعة لرئاسة الوزراء العراقيّة قد بلغ الألف في سنة 2011م ونحن اليوم في سنة 2018م، فكم يا تُرى وصلَ العدد الكلّي لديهم؟!
هذه الوثيقة تبيّن للعالم مدى وحشيّة وعنجهيّة العصابة الصداميّة التي كانت تحكم العراق بالحديد والنار، وكم كانت عديمة الضمير والأخلاق، وكيف انسلخت من الأعراف والتقاليد العربية التي لا تسمح بقتل النساء حتى في أيام الجاهليّة الأولى، ولقد سمعنا كثيراً وقرأنا غزيراً عن طواغيت العصر؛ أمثال الشاه محمد رضا بهلوي طاغية إيران، ونيكولاي تشاوتشيسكو طاغية رومانيا، وغيرهم فلم نعلم أنّهم أعدموا نساءً بهذا العدد! ولا حتى نصفه مع فارق عدد السكان في هذه البلدان وبين العراق!
وهذه الوثيقة توضّح بجلاء ما يمثّله العنصر النسوي في المجتمع العراقي من صور الإباء، والتمسّك بأخلاق أهل البيت الأطهار (عليهم السّلام) وعلى رأسهم السيدة الصدّيقة الطاهرة فاطمة الزهراء (عليها السّلام) وابنتها الحوراء زينب (عليها السّلام) من عدم الخنوع والخضوع لاستكبار الطواغيت، مهما علا بطشهم وزاد عتوّهم، فهذه الثلّة من النساء نطقْن ولم يسْكتْن، وقلْن كلمة الحقّ بوجه السلطان الجائر حينما ساد السكوت، وهنّ يعْلمْن علم اليقين ضريبة النطق الباهظة التي سيدفعْنها؛ من الملاحقة والاعتقال والتعذيب والاغتصاب ثمّ الموت أو القبع في السجون البعثيّة الرهيبة.
وليس من الإنصاف هذا الإجحاف بتاريخ هذه الثلّة الطاهرة من النساء اللواتي طرّزْن تاريخ العراق بأبهى آيات الإباء والثبات، وكتبْن له تاريخاً مشرقاً من الشرف والعفّة، فهنّ يستحقّنّ كلّ الإجلال والتقدير على حمْلهنّ راية الجهاد وشعلة العلم والإيمان، لذا فنحن نطالب الجهات المسؤولة أن يشرّعوا بتخصيص يوم في كلّ عام لاستذكارهنّ، وأن يُجعل في كلّ محافظة عراقيّة نُصُباً تذكاريّاً لهنّ، وأن يُبنى لهنّ متحفاً أو أكثر يحوي كلّ ما يخصّهنّ في حياتهنّ قبل الاعتقال وبعده، وأن تتبنّى وزارة الإعلام نشر قصصهنّ، وتوثيق حياتهنّ البطوليّة في أفلام ومسلسلات مرئيّة ومسموعة ومكتوبة، عبر المهرجانات والمسابقات الثقافيّة.
فما أحوجنا اليوم ونحن نعيش أحداثاً لا نُحسد عليها من السكوت على الضيم، أن نتصفّح سيرتهنّ العبقة، ونتمثّل مواقفهنّ البطلة، في جميع مرافق حياتنا العمليّة، لنصلح ما فسد منها ونعيد الأمور الى نصابها.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here