سلطة المجتمع

0
1767


د.كريم شغيدل..

كيف يتحقق أمن المجتمع؟ سؤال في غاية الأهمية، يحتمل عدة إجابات، أو بالأحرى له إجابات متشعبة، فالغالبية العظمى من الناس تميل إلى الإجابات الجاهزة، ومن هذه الإجابات: إن أمن المجتمع مسؤولية الدولة، وهذه إجابة موجزة ودالة، إذا ما كان المقصود بالدولة مفهومها الحقيقي الشامل، وليس الحكومة، فبعضهم يختزل الدولة بالحكومة، ذلك أن الدولة تعني مختلف المؤسسات، تعني المؤسسات السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية والدينية وحتى الثقافية، وهي عبارة عن شبكات علاقات متداخلة، فعلى سبيل المثال أن من يخلخل أمن المجتمع وجود بعض العصابات أو الزمر المسلحة، سواء أكانت تعمل بصورة مستقلة أم مستغلة بعض العناوين الحزبية والدينية، فسياسياً هناك توظيف سياسي لتلك الزمر، ولو أن الأحزاب السياسية تعمل على وفق مشروع سياسي وطني بغية استقرار البلد وترسيخ قيم الحق والعدالة والحرية والديمقراطية، وتحترم قوانين البلد ودستوره لما لجأت لتوظيف تلك الجماعات، وأمنياً ما تزال أجهزتنا مخترقة من قبل الزمر نفسها، فبعض العناصر الأمنية متعاونة أو متسترة أو ضالعة أو متواطئة أو مقصرة أو مترددة في تنفيذ واجباتها لأسباب شتى، يضاف إلى ذلك ضعف وسائل المراقبة والمتابعة، واقتصادياً هناك العديد من عناصر تلك الزمر يعملون بدوافع اقتصادية، ولو توفرت لبعضهم سبل العيش الرغيد ضمن خطط التنمية البشرية بتوفير فرص عمل ملائمة لانخفضت نسبة الانتماء لتلك الزمر، اجتماعياً .

أيضاً هناك دوافع تحيلنا إلى مفهوم الاستبعاد الاجتماعي، فوجود طبقات خارج أسس الاندماج المجتمعي لأسباب كثيرة، تجعل من هذه التجمعات العنفية متنفساً لإثبات الوجود الاجتماعي، وللمؤسسة الدينية الدور الأهم في ترسيخ قيم السلم ونبذ عقائد التكفير وتبرير الاقتصاص من الآخر المختلف، فغالبية من ينتمون للزمر ذات العناوين الدينية إنما ينتمون لأسباب عقائدية، أما العامل الثقافي فلا يقل أهمية عن عمل بقية المؤسسات، ما لم نقل إنه الأهم، لأنه يشمل الديني والاجتماعي، فالمؤسسات الثقافية مسؤولة عن إشاعة خطاب التسامح والسلام وروح التكافل الإنساني بين طبقات المجتمع.

فالأمر إذاً لا يتعلق بالحكومة لوحدها، وهذا ليس دفاعاً عنها، فهي بيدها أن تفعِّل عمل بقية مؤسسات الدولة، بإمكانها حماية القوانين وتنفيذها، وأن تبلور مشروعاً سياسياً وطنياً، وأن توفر فرص العمل وتؤسس لتنمية بشرية فاعلة، وأن تطور سبل التربية والتعليم والقطاعات الثقافية التي تجتذب فئات الشباب، فضلاً عن مسؤوليتها في تقوية المؤسسات الأمنية بالتقنيات الرقابية المتطورة والعمل الاستخباري وملاحقة المجرمين وغير ذلك، وبإزاء كل ما يمكن أن تقدمه مؤسسات السلطة وأعني السلطتين التشريعية والتنفيذية من قوانين وإجراءات إلى جانب السلطة القضائية، ينبغي لمؤسسات الدولة والمجتمع: الأسرة، العشيرة، المدرسة، الجامعة، النقابات، المنظمات المدنية، الإعلام بمختلف مستوياته، أن تتفهم دورها المساند والتكاملي مع مؤسسات السلطة، إذ لا يمكن للشرطي وحده أن ينفذ القانون ما لم تكن هناك ثقافة عامة في تطبيقه تجعل المخالف ضعيفاً أمام رجل السلطة، وسلطة المجتمع في آن واحد.

 

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here