الإمام الحسين ومآثر الخلود

0
2148

علي حسن الفواز ..
الحسين ثائرا، الحسين معارضا، الحسين اخلاقيا، الحسين قائدا.هذه العناوين الكبيرة تستدعي شخصية الإمام الحسين في سياق تعظيم مآثر الخلود، وفي تداولية الخطاب، ليس بمعناه الفقهي والسياقي، بل بدلالاته الفكرية والسياسية والقيمية، والتي تعكس فاعلية هذه الشخصية الخالدة، والتي جعلت من اثرها، ومن جهادها، ومن استشهادها منظومة كاملة لها قابلية البقاء والاستعادة واستكناه معاني رسالتها..
مفهوم الثورة عند الامام الحسين يكمن في رفض الظلم، وفي السعي للتغيير، وفي تأطير قيمة الحكم على وفق حاجات الناس، وفي تأصيل اسس العدالة الاجتماعية، والمساواة، والتي تجوهرت في العمق الرسالي للاسلام، وفي تأسيساته الاولى للاخلاق، ولمفاهيم العدل والحق والاجتماع والتكافل والتواصل، وفي انسنة مفهوم السلطة، ليس بوصفها (الحاكمي العضوض) بل بوصفها القيمي الذي ينطلق من فكرة تأمين الاطار المدني للعبادات والمعاملات، بعيدا عن السطوة، والسلطة، والغلو والعصبية القبلية.
هذا التصور هو جوهر المسار الذي استلهمه الامام الحسين، والذي انحاز الى خطابه موقفا واشهارا، وتعبيرا عن ضرورات الوعي برسالة الحق في حماية مصالح الأمة، وفي تشييد الاسس المدنية والاخلاقية للدولة، والتي جعلتها الحاكمية الأموية مجالا لاعادة انتاج مظاهر العبودية، والحكم العصابي، والأثرة بالمصالح، وتفريق الامة، واباحة الحقوق، وفرض اشكالٍ قرابية لمفهوم ذلك الحكم..
الحسين معارضا
مفهوم المعارضة يكتسب اهميته من السياق التاريخي والقيمي من خلال فاعليته في التعبير عن الرفض، وعن الايمان بفكرة الثورة، التي عمل بها وبمشروعيتها، وهو ما أسبغ على هويته المعارضة توصيفات اعطت له فاعلية الحضور والخلود، والثقل رمزي الذي أثّر في مسار كثير من التحولات التاريخية و السياسية، وأعتقد أنّ الحضور الفاعل لشخصية الامام الحسين في تاريخ المعارضات السياسية والاخلاقية كان هو الجزء الابرز في خلوده، وفي التواصل مع ثورته، إذ إن تلازم الثوري والمعارض هو تلازمٌ رسالي واخلاقي في جوهره، وعنوانٌ كبير لرمزية الأثر العميق الذي تركه في النفوس والاسفار، والذي استهلمته أجيال وثقافات وجماعات جعلت من صورة المعارض الحسيني هو الأنموذج التكويني لفكرة المعارضة السياسية والثقافية في تاريخنا الاسلامي منذ لحظة استشهاده والى يومنا هذا..
الحسين الاخلاقي
عند أكثر تمظهرات الثورة الحسينية يحضر الخطاب الاخلاقي بوصفه مجالا لتمثيل القيم، ولوعي طبيعة الصراعات التي كانت تكتنف المشهد السياسي، والتي دفعت الى افراز نمطٍ للسلطة المتوحشة، أو لما سُمّي ب(الحكم العضوض) والتي دعت بالمقابل الامام الحسين للثورة، ولرفض هذه السلطة الطاغية، إذ حمل شعاره بُعدا استلهاميا للمواجهة، ولتحدي الظلم والطغيان، ولعل قولته الشهيرة (إني لم أخرج أشرا ولابطرا ولامفسدا ولاظالما وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي) هي الدليل على العمق الاخلاقي للثورة، ولهوية الخطاب الانساني والاصلاحي الذي تبناه، وحمله، ودافع عنه، رافضا الخنوع، والاقرار بالخذلان للسلطة الغشوم.
لقد كان رسالة الامام الحسين دعوة لفضح الظالمين، ولمجانبة الولاء لهم، مقابل الايمان بالدعوة للحق، ولمعرفة عمق هذه الدعوة، واهميتها في تأصيل دلالات الاخلاق والتربية، وفي التعرّف على معانيه من خلال مظانه، ومن خلال حملة رسالته، حيثتتكافل فيه المعرفة مع الرشدِ بها، وبما يُعطي للثورة شهادة تاريخية، كمعنى للخلود،وكفعلٍ يتكئ على تاريخ رسالي كبير، وعند عمق ثقافي وايماني وانساني واسع الطيف والمعنى، واذا قال في خطبته العاشورائية الخالدة (ألا وإن هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان وتركوا طاعة الرحمن وأظهروا الفساد وعطلوا الحدود واستأثروا بالفيء وأحلوا حرام الله وحرموا حلاله) فإنه أدرك أهمية النصح، واهمية البيان والتوصيف والتعريف، وبما يجعل فكرة وضوح الحق شاهدا على وضوح المواجهة مع سلطة الاستبداد، ومع اشكال هيمنتها وظلمها..
الحسين قائدا
قيادة الامام الحسين لحركة الثورة لاتنفصل عن قيادته للمسار السياسي بعد وفاة الامام علي بن ابي طالب، والإمام الحسن، إذ تحولت هذه القيادة الى فعل اجتماعي وسياسي وثقافي ونقدي أدركت خطورته(السلطة الأموية) وباتت تصطنع له المؤامرات، وتأليب الرأي العام الموالي لهم ضده، لكن شخصية الامام الحسين، ودوره في انضاج خطاب الرفض هو ماتسبب في ارباك المشروع الأموي، وفي فرض سلطة الواقع..
وتواصلا مع طبيعة العمق الرسالي لمعركة الطف الخالدة، فإنها الأثر القيادي للامام الحسين في لحظتها التاريخي، وفي طبيعة مواجهته ورفضه، والتسليم بشروط الذل، هو ما اكسبها الخلود، وما جعلها درسا انسانيا كبيرا وحافزا لرفض الظلم والاستبداد، حيث استلهمتها امم وجماعات ثورية واحتجاجية، وفرقٌ ومدارس، والتي جعلت من رمزية قيادة الامام الحسين للأمة،وللجماعة وحتى لعسكره عنوانا كبيرة لستراتيجيات الاخلاص للمبادئ، وللمعرفة، وللكيفية التي تحولت به هذه المعركة الى درس تاريخي وجهادي وتربوي، كان لآل بيته،وأصحابه ونساء العائلة والاصحاب الدور الكبير في تعظيم شأنه، وفي تخليد السيرة الحسينية، وفي تعظيم مآثرها كعناوين للصبر والجلد والرفض والمواجهة والاصرار على الانحياز الى الحق.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here