الأزمة السياسية في العراق:الإسباب وآفاق الحل

0
817

د.حسين السلطاني …
الحلقة : 12
عندما دخلت القوات الأمريكية الى العراق عام ٢٠٠٣ لم تكتف بإسقاط النظام البعثي الحاكم آنذاك وحسب بل أسقطت الدولة العراقية بجميع أركانها ، بما فيها القوات المسلحة والأجهزة الأمنية ودمرت كل معداتهم وتجهيزاتهم ، ثم أعطت الضوء الأخضر لضعفاء النفوس لنهب ما تبقى من ثروات البلد ، وذلك من أجل التمهيد لتنفيذ المرحلة الثانية من المخطط الامريكي القاضي بنشر (الفوضى الخلاقة ) داخل المجتمع العراقي ، ومن ثَمَّ بناء النظام السياسي البديل ، الذي ينسجم مع مشروعها لرسم الخارطة السياسية للشرق الأوسط الجديد .
إنّ نظرية الفوضى الخلاقة التي إعتمدتها القوات الأمريكية في إدارة شؤون العراق أثناء فترة الإحتلال كانت تستدعي توفير العناصر الآتية :
1- عدم وجود قوات مسلحة وأجهزة أمنية قادرة على حماية حدود البلد وتوفير الأمن لأبناء المجتمع .
2-تهيئة الأجواء والظروف الملائمة لإظهار جميع التناقضات والسلبيات التى كان يختزنها الشعب العراقي في زمن النظام البائد ؛ من أجل دفعه للفوضى والإحتراب الداخلي
3-وضع العراقيل امام تحقيق التنمية في العراق ، وخلق اليأس والإحباط في نفوس المجتمع من أية عملية إصلاح في البلد .
وقد كانت مهمة القوات الأمريكية في هذه المرحلة هي تأجيج هذا الصراع وإدارته وسوقه باتجاه الأهداف المنشودة للإدارة الأمريكية وذلك من خلال تأسيسها لقنوات إعلامية محترفة ، ودعمها لعدد غير قليل من منظمات المجتمع المدني الهادفة ، وتجنيدها لنخب سياسية وثقافية وإجتماعية مؤثرة في توجيه الرأي العام العراقي .
وقد إستطاعت القوات الامريكية ، في ظل رئاسة (بوش ، وأوباما ) من إكمال الصفحة الأولى لمهمتها ، والمتمثلة بالهدم ولَم تتمكن من تحقيق الجزء الثاني من المهمة والمتمثل بتقسيم العراق وتجزأة المنطقة وبناء النظام السياسي لمنطقة غرب آسيا ( الشرق الأوسط ) وفق رؤيتها ، لعوامل متعددة لا مجال لاستعراضها هنا ، ومن هنا إعتبرت الكثير من القوى السياسية والعسكرية أن الإدارة الأمريكية في عهد أوباما إرتكبت خطأ كبيرا باتخاذها قرار الإنسحاب العسكري من العراق عام ٢٠١١ ، ولذلك وجدت هذه القوى ضالتها عندما تعرض العراق للغزو الداعشي عام ٢٠١٤ ، فاضطر العراق لطلب الدعم الدولي ، فاستغلت الآدارة الأمريكية هذه الحجة وكثفت من وجودها العسكري مرة أخرى في العراق عددا وعدة ، مستغلة ضعف الحكومة العراقية آنذاك من جهة وظروف العراق التي يعيشها إبان محاربته لداعش من جهة أخرى .
وكانت تأمل القوات الأمريكية ، ومن ورائها الإدارة السياسية في البيت الأبيض أن تكون المعركة مع داعش ممهدة لتحقيق الجزء الثاني من مشروعها في العراق والمنطقة ، لكنّ المفاجئ حصلت عدة نتائج لم تكن الإدارة الأمريكية تتوقع حصولها بهذا المقدار، الأمر الذي أفقدها صوابها ، ومن اهم هذه النتائج هي :
1- حقق العراق إنتصارا تأريخيا في معركته مع داعش لم يكن بحسبان الإدارة الأمريكية وإسرائيل وأذنابهم في المنطقة أن يتحقق بهذه المدة وبهذه الدرجة والطريقة المذهلة
2- خرج العراق من المعركة بقوة عسكرية كبيرة ، عددا وعدة ، مؤلفة من الحشد الشعبي ومن الجيش والشرطة الإتحادية ، وقد إكتسبت هذه القوة تجربة قتالية فريدة ، وكونت ظروف المعركة بينها إنسجاما وتعاونا إستثنائيا ، الأمر الذي إعتبرته أمريكا وإسرائيل وعملائهم خطرا وتهديدا كبيرا لمصالحهم ومشروعهم في المنطقة
3- لم تأت حكومة السيد عادل عبد المهدي على مقاسات الادارة الامريكية والدوائر الصهيونية ، ولَم تلتزم هذه الحكومة بما يقتضيه المشروع الأمريكي منها ، والمتمثل بحل الحشد الشعبي ، أو تقليصه لأقل عدد ممكن إولا ، وعدم تحقيق أي مشروع تنموي خارج إرادة الإدارة الأمريكية ثانيا ، وان تقف الحكومة العراقية مع المشروع الأمريكي في مواجهة جبهة المقاومة والممانعة ثالثا .
وحيث إن الحكومة العراقية الحالية لم تستجب لهذه الإملاءات الأمريكية بشكل مطلق بل أرادت ان تبني معها علاقات متوازنة وان تنآى بالعراق من إن يكون ساحة للصراعات الدولية والإقليمية ، وان لا ترهن إقتصاد العراق بإرادة واحدة ، كل ذلك أغضب الرئيس الأمريكي ( ترامب ) وأفقده صوابه ودفعه لان يرتكب هذا الإنتهاك السافر لسيادة العراق واقتراف هذا العمل الإرهابيّ الشنيع الذي أدى إلى إستشهاد عدد غير قليل من أبناء الحشد الشعبي ، وعلى رأسهم القائدين: ابو مهدي المهندس والحاج قاسم سليماني أمام مرأى ومسمع الجميع ، هذه الجريمة النكراء كشفت حقائق متعددة لعموم أبناء الشعب العراقي ، تستدعي من القوى الوطنية المخلصة العمل الجاد لتحقيق هدافين إساسيين :
1- إخراج القوات الأجنبية عموما والأمريكية خصوصا من البلد بأقرب وقت ممكن .
2- إعادة بناء العملية السياسية في العراق على أسس صحيحة ، وفق قواعد الدستور أولا وإحترام إرادة أغلبية المجتمع العراقي ثانيا .

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here