المذلّة الرابعة لنرجسية الإنسان

0
900

د.حسن ناظم …
خطر في بالي اليوم الكلام الكثير هنا وهناك عن المذلّات الثلاث الكبرى التي تعرّضت لها البشرية، ولم تكن تلك المذلّات سوى نظريات علمية شهيرة، أطاحت بغلواء البشر كلّما ظنّ أنه مركزُ الكون، والإنسان الكامل، والأقوى، والأصلح. إنها قصةُ العلم ونرجسية الإنسان.
1. كوبرنيقوس، في القرن السادس عشر، وفي كتابه “عن دوران الأجرام السماوية”: أنهى مركزية أرضنا، بيّن مكاننا، ونحّانا عن مركز الكون، ورمى أرضنا بالهوان حين قال إن الشمس، وليس الأرض الضئيلة التي لا تُرى في الكون الشاسع، مركز النظام الشمسي. مركزية الشمس هذه حطّت من قدرنا، وأقنعتنا على مضضٍ أن الكونَ لم يُخلَق من أجلنا، فهو ما زال سرّاً من الأسرار الكبرى.
نحن نتعافى من جرح الكوبرنيقية.
2. داروين، في كتابه “أصل الأنواع”: أنهى مركزية الإنسان في خلقه الخاص، أنزل أصلنا من عليائه السماويّة إلى عالم الحيوان.
نحن نتعافى من جرح الداروينية.
3. فرويد، وهو كوبرنيقوس عالم النفس، قال إن اللاوعي يتحكّم بالبشر، وإنّ الأنا، تلك التي نطريها ونضعها في مقام المهيمن والمسيطر، عاجزةٌ، وعمياءٌ، ومقودةٌ بالمخفيّ والمستتروالمكبوت.
نحن نتعافى من جرح الفرويدية.
4. كورونا، جرحٌ مفتوح، من نوع آخر، ومن الصحة الآن أن يبقى هذا الجرح مفتوحاً، فهو ليس بنظرية علمية اكتشفناها، هو برز لنا رغم خفائه، فختلنا في الجحور. ليس جائحة كورونا مثل أيّ جائحة مرّت على البشرية، هي تأتي في سياق حضاريّ خاص، سياق ترابط البشرية كلّها، وموازاة مع هذا التواصل الفوري في العالم عبر التكنولوجيا الرقمية والإنترنت، كان كورونا في كلّ مكان من العالم، وعرفناه جميعاً. ما طبقت جائحة قبل كورونا العالم برمّتِهِ.
هذه الجروح الكبرى أذلّت غرورَ الإنسان وطعنته في نرجسيته، لكنّها علّمتْهُ أيضاً، ومثلما نحن نتعافى من الكوبرنيكية والداروينية والفرودية، دعونا نتصالح مع الكورونية لنتعافى منها.
دعونا نؤمن أننا دوماً أصغرُ ممّا نعتقد، وأقلُّ ممّا نتصوّر، وأعجزُ ممّا نتخيّل، وذلك لكي نكون أكبرَ وأكثرَ وأقدرَ.

 

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here