شيخ العشيرة ما بين الحق والباطل

0
5744

ثائر الربيعي …
وأَكْرِمْ عَشِيرَتَكَ فَإِنَّهُمْ جَنَاحُكَ الَّذِي بِهِ تَطِيرُ ،وأَصْلُكَ الَّذِي إِلَيْهِ تَصِيرُ ويَدُكَ الَّتِي بِهَا تَصُولُ. الإمام علي (ع)
الحق طريقه واضح ..والباطل طريقه واضح ,سلطة شيخ العشيرة مستمدة من أفراد عشيرته الذين يكون لهم السند والذخر طيلة مسيرة حياته,ويتعامل معهم بروح الأبوة الإنسانية ويقف على مسافة واحدة من الجميع دون النظر لمن يمتلك المنصب الرفيع منهم وآخر ليس لديه شيء سوى حطام الدنيا ,يشار للعشيرة: بأنها عبارة من مجموعة من البشر ينتمون إلى نسب واحد يرجع إلى جد أعلى، وغالبا ما يتكون بكنية هذا الجد، وتتكون من عدة بطون أو من عدة عوائل,غالبًا ما يسكن أفراد العشيرة إقليما مشتركًا يعدونه وطنًا لهم، ويتحدثون بلهجة مميزة، ولهم ثقافة واحدة، والعشيرة هي المكون الرئيسي للقبيلة، فتحالف عدة عشائر ينتج عنه القبيلة، وشرط العشيرة أن يتكون أفرادها من نسب واحد، بعكس القبيلة، فالقبيلة قد تتكون من عدة عشائر من أنساب واحدة أو من أنساب مختلفة الجد.
فقيمة المرء لا تكمن بماله إنما بثوابته ومبادئه,حظوة قوته من (حظه وبخته ) وهذا شرف كبير بالنسبة إليه كوسام فخر يعلقه على صدره يأتي من خلال صدقه أفعاله وحكمه بالحق مع الناس مهما كلفه الأمر ذلك ,وقضائه لحوائج رعيته ,ومساعدته لهم ,ومد يد العون للآخرين ,أنها مسؤولية عظيمة تقع عاتقه في محاسبة المسيء والمقصر الذي يتجاوز على حرمات الناس الآمنين وغيرها من الأمور التي يتطلب منه الوقوف بها .
ليست (المشيخة ) كما يتصورها البعض الذين نصبوا نفسهم شيخ عشيرة من ضعاف النفوس وسيلة لأستحصال الأموال بتغييره للحقائق وتزيفه لها ,وتحويل الحق للباطل لصالح كفت من يدفع أكثر ؟ أو من لديه سطوة والناس تخاف منه ,دون مراجعة ضميره بأن هذا الفعل مشين له عواقب وخيمة لأنه سينشر ثقافة عدم الانتماء بين المجتمع الواحد , وسيدفعه للجوء لأساليب ملتوية فيها ضرر على بنية بناء الدولة .
ما يثير الاشمئزاز بروز فئة مسوخ يستأجرون بمبالغ على أساس أنهم شيوخ عشائر وبعد انتهاء النزاع (الفصل) توزع الأموال بينهم بالتساوي,حتى سمعنا وشاهدنا أشخاص يفتعلون المشاكل مع الناس ويعلقون عليها نتائج بأن هذه المشكلة تقلل من قيمتهم ومنزلتهم وعليه يجب أن تأتي العشيرة الفلانية وتجلس على (فراش الحق ) وتدفع لهم المال بوجود تسعيرة معينة وضعوها و الا ستكون العواقب سلبية على صاحب الموضوع مع العلم أصلاً ليست هناك من مشكلة حقيقية ولكن من يبيع ثوابته سيضطر لفعل أي شيء .
اليوم أضحت لدينا ممارسات لا يقبلها العقل والمنطق والوجدان لما فيها من تعد وتجاوز على حرمات المواطنين ,والانكى من ذلك انتشار ظاهرة الدخول بنسب رسول الله ودعائهم أنهم أولاده (السادة ) لرفعة مكانتهم الاجتماعية بين الناس والحكومة حالياً ,والبعض يعدها طريقاً قصير جدا للوصول لمأربهم لمبتغى معين .
هنالك وجوه مشرقة كرسوا أنفسهم ليلاً ونهاراً سعياً لدرء نار الفتنة وإخمادها بين عشيرتين متناحرتين كادت أن تزهق الأرواح لو لا تدخل مسعاهم الخير,والشواهد كثيرة لشيوخ عشائر لا يزال تاريخنا يتحدث عنهم بفخر واعتزاز ,و(شيوخ) برحيلهم ترك فراغ لا يسد أبدا ,بسبب مواقفهم الجليلة بوضع الأمور في نصابها الصحيح ورفضهم للانحراف,جاعلين أمام نصب عينيهم مخافة الله ,ومبدأ العدل والأنصاف ونصرة المظلوم والمستضعف والوقوف مع الفقير والمحتاج عند جلسة (الفصل ) همهم وشغلهم الشاغل هو الستر والله ستار ويحب الستارين وتهدئة الضغائن .
فقد شكل وجود العشيرة ثقلاً مهماً في تاريخ العراق الماضي والحاضر من خلال سعي السلطات لاحتواء البعض منها وضمها لجانبها للوقوف معها في أوقات الأزمات ولصناعة الرأي العام الذي يخدمها ,وأمدتها بالمال والسلاح لغرض المساهمة في ضبط الأمن مستفيدة من قوتها الاجتماعية على أفرادها ,وهذا ما دفع سلطات الاحتلال البريطاني إلى إصدار قانون (دعاوى العشائر) في سنة 1916م أي قبل تأسيس الدولة العراقية الحديثة في سنة 1921م، وبهذا كانت الدولة العراقية تحكم بقانونين، هما قانون الدولة العام، وقانون “دعاوى العشائر” الذي أصدرته سلطات الاحتلال البريطاني عام 1916م ، وظل سارياً طوال العهد الملكي، رديفاً للقانون العام، فكان للحاكم السياسي أو القاضي أن يحيل المتهم إلى مجلس عشائري يتألف من شيوخ للنظر في قضيته، فكانت الدولة العراقية هي الوحيدة التي تسير وفق قانونين ,وصولاً لسنوات التسعينات برزت ما يسمى شيوخ (التسعينات )وهي زعامات عشائرية لم تكن معروفة على الساحة الاجتماعية ولكنها استمدت شرعيتها من السلطة الحاكمة التي عمدت إلى تفتيت العشائر الكبيرة وتقسيمها وتنصيب شيوخ وزعماء عشائر جدد موالين لها وربطهم بأجهزة السلطة من خلال تنظيمهم حزبيا وامنيا.
نحتاج اليوم الى إعادة تشذيب وتهذيب لسلوكيات عديدة طرحت وعمل بها وتحولت لمنهج عرفي واجتماعي وهي بعيدة كل البعد عن خط الإصلاح لذات البين ,هناك من يريد أن يدفع بهذه الأعمال لساحة العشيرة لمكانتها الموقرة لغرض التقليل من الدور العشائري وإعطاء صبغة غير لائقة بهم في محاولة للتعتيم على أدوارهم المتألقة دون تشخيص الخلل الموجود في المجتمع ومعالجته ,والانصراف للتمسك بصغائر وسفاسف الأمور.
في حادثة يؤشرها التاريخ عن شيخ العشيرة هاني أبن عروة (رض)اختتم عاقبته في موقف مشرف رفض تسليم سفير الحسين مسلم ابن عقيل عليهما السلام لأبن زياد ,فقد جاء في كتاب “الملهوف في قتلى الطفوف” أن ابن زياد قال له:
“والله لا تفارقني أبداً حتى تأتيني به.
فقال : والله لا آتيك به أبداً! آتيك بضيفي حتى تقتله؟!
فقال : والله لتأتيني به.
قال : والله لا آتيك به.
فلما كثر الكلام بينهما ، قام مسلم بن عمرو الباهلي فقال: أصلح الله الأمير أخلني وإياه حتى أكلمه ، فقام فخلى به ناحية وهما بحيث يراهما ابن زياد ويسمع كلامهما إذ رفعا أصواتهما.
فقال له مسلم : يا هاني أنشدك الله أن لا تقتل نفسك وتدخل البلاء على عشيرتك ، فوالله إني لأنفس بك عن القتل ، إن هذا الرجل ابن عم القوم وليسوا بقاتليه ولا ضارية فادفعه إليه فإنه ليس عليك بذلك مخزاة ولا منقصة وإنما تدفعه إلى السلطان.
فقال هاني: والله إن عليّ في ذلك الخزي والعار ، أنا أدفع جاري وضيفي ورسول ابن رسول الله إلى عدوه وأنا صحيح الساعدين وكثير الأعوان؟! والله لو لم أكن إلا رجلاً واحداً ليس لي ناصر لم أدفعه حتى أموت دونه.
فأخذ يناشده ، وهو يقول : والله لا أدفعه.
كان باستطاعته تفادي القتل بالمقايضة والمساومة على سلامته لم ولن يفعل لأن ذلك يُعد خرقاً لمبادئه ونسفاً لكل لتربيته التي تربى عليها بأن يقوم الباطل على الحق ويأخذ الطريق وتسير عليه الأجيال .

 

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here