سرديات/ مقتطفات من الحياة اليومية في المعتقل (5)

0
78

دانيال سليفو بتازو…
مسيرة وأحداث 1984 لشعبنا وللحركة الديمقراطية الآشورية
• الايام والساعات الثقيلة التي كانت تمر هباءاً، جعلت نبض المشاعر الإنسانية كالحب والكره والأمل والإشتياق لدى السجناء تتقافز بعيداً في مدار الغليان المكبوت حيناً، والى الداخل في مدار الإنجماد المكتوم حيناً آخر، ولكنها تحترق جميعها في النهاية. وحالات القلق السائدة هذه، جعلت البعض من النفوس الضعيفة الغير مُقاوِمة تنهار، وتتجه نحو الوقوع في فخ التعامل وتقديم الخدمات لإدارة أمن السجن.. وكان ضابط أمن السجن طالب منّا المساعدة والعمل كوكلاء لهم مقابل بعض قطع الخبز المضاف فوق الوجبة المعتادة، وإجابتنا لهم تلخصت بالقول: نحن لا نفيدكم، فإن كان هذا ملائماً لنا ومقبولاً، فالفرصة كانت سانحة سابقاً ولما كنا هنا كنزلاء في السجن!، أما مجرد وجود فكرة القيام بمراقبة بعضنا البعض أونزلاء السجن، فهي مزحة سمجة وقبيحة لا تستسيغها الإذن البشرية السوّية بتاتاً.
• من الأمور الغريبة والطريفة أيضاً، هو توقعّنا يوم وتاريخ تحررنا من السجن، وذلك بإستخدام الحسابات الفلكية الغيبية ومراقبة الفلك بالإمكانات والمعلومات المتوفرة، والنظام الستيني النهريني، وإجراء عملية حسابية بسيطة والأخذ بالحسبان إقتراب المذنب المنقذ هالي ( شالمو- شلاما ) من الأرض وكذلك قراءة ومراجعة رؤيا يوحنا اللأهوتي. حددنا تاريخ خروجنا، بذلك قبل الموعد بإسبوع تقريباً عام 1986، وهو ما تم بالضبط بعد انقضاء 666 يوماً وهو العدد المشؤوم بحسب الفلكيين من الكهنة الكلدان قديماً ، ومعروف عند المتابعين للحضارات القديمة السومرية والبابلية والأشورية.
• خرج المئات من أبناء شعبنا في دول المهجر أمام السفارات والقناصل تضامناً مع الأحداث التي جرت لشعبنا في الوطن. كما أقيمت الندوات والمحاضرات التعريفية بمسيرة الزوعا وأخبار الوطن، والتي حضر البعض منها قياديون من الحركة، وبدأت النواة الأولى لتأسيس تنظيمات من المؤازرين لمُساندة فعاليات الحركة الديمقراطية الآشورية في الوطن، واللجان الخيرية والنسوية والشبابية والطلابية والفعاليات المختلفة في الوطن.
مُدان ومجرم الى يوم القيامة!.
• بعد أشهر من خروجي من السجن، لم تستكن دائرة أمن الأنبار عن الإستمرار في المتابعات والتحقيقات وعن أفراد العائلة والأقارب والبحث عن تنظيم الحركة في الأنبار.. أُستدعيت الى دائرة أمن الأنبار، وتم فتح إضبارة جديدة وإعادة التحقيق من قبل معاون مدير الأمن. ثم قُدّم المحضر الى مدير الأمن في الغرفة المجاورة الذي فتح الباب بقدمه بقوة، ثم رمى الإضبارة في وجهي قائلاً :
– الى متى تكذب ؟. يا … ( كلام بذئ وشتائم )، بسببك صارت الأنبار منطقة محسوبة ضمن دائرة ونفوذ حركتكم الرجعية المرتبطة بالأجنبي !!. أتعتقدون بإنكم تستطيعون إسقاط نظام القائد صدام حسين.؟ لا أنتم ولا غيركم، وللعلم نحن نعلم أسماء التنظيم واحداً واحد، ونراقبهم على مدار الساعة من قبل عناصرنا، وأي تحرك مشبوه منهم يميناً أو يساراً، سنقوم بإعدامهم أمام السينما ( دائرة الأمن في الرمادي مجاورة لمبنى دار السينما ).
هذه الأساليب أعادتني الى أجواء أيام المحنة في الأمن العامة وسجن أبو غريب. أجبتهُ بهدوء محاولاً إطفاء فورة الغضب والعنجهية لديه :
– ما دمت تعرف أسماء التنظيم وتراقبهم، فما المطلوب منّي ؟!. وتعلم جيداً بأنه قضيت مدة الحكم الصادر من محكمة الثورة وخرجت منها بعفو، فإن كنتُ ما زلت متهماً فلماذا أطلقوا سراحي ؟.
أجابني بعاصفة قوية من الكلمات المختلطة بالسباب واللعن والعصبية المنفلتة من عقالها :
– أنت كنت ولا تزال متهماً ومداناً، وسنتعقبك الى يوم القيامة، ولن نقفل ملفك الا في حالة واحده وهي فرصة أخيرة نعطيها لك إن تعاونت معنا وساعدتنا في مراقبة الاعضاء والمتورطين من المُغرر بهم.
– وكيف تثقون بي وأنا لا زلت متهماً ؟ أيعني هذا بأنكم ستراقبون سكناتي وحركاتي إسوة بباقي المشبوهين!؟. كما إني ومن جانبي إن رأيت أي حالة لا تعجبكم، فأني سأتعاون معكم في حلها بالنصائح والدعوة بالكف عن الأمور التي تضرهم قبل غيرهم ! لكي لا يقعوا بمصيبة لا تُحمد عقباها دون الحاجة بأن أكون وكيلاً مُسجلاً لديكم .
سمعت قهقه قويّة بنغمة السخرية من معاون مديرالأمن الذي كان واقفاً خلفي قرب الباب. وبحدقات واسعة مفتوحة ترشقُ شرراً إقترب منّي :
– ساغلق الملف، واُرسل كتاباً الى بغداد بأنك متعاون!. خذ هذا الظرف وأفتحه في البيت. إخرج من أمام عيوني. وفي البيت وجدت مائة دينار في الظرف، ( أدركت حينها بأن كُلفة إغلاق الملف مئة دينار تُعطى لي !.)
• اثناء محاكمة رموز النظام البعثي بعد السقوط، صرخ سيئ الصيت حاكم محكمة الثورة عواد البندر: الله أكبر أين العدالة في محكمتكم؟. أنظروا مَن يتكلم !!. إنه ( حفيد حمورابي )! الحمل الوديع، خبير العدالة والإنسانية! تم إعدامه مرّة واحدة، بينما جرائمه وقرارات الإعدام التي أصدرها بالآلاف، وهذا ما جنته يداه إن كان يكفي، ليس تشفياً بل رغبةً وأمنيةً صعبة التنفيذ يحتاجها العراق بإلحاح، بأن يتم إشاعة ثقافة حقوق الإنسان الضرورية للجميع، لدى الحاكم والمحكوم وتغليب قوة القانون والعدالة في.
قصة القسوة والتحدي، تُستحضَر وتُكتب بالحروف والكلمات بأدوات جامدة لا روح فيها، كالقلم ولوحة مفاتيح الحاسوب، ولكنها قد تستطيع نقل خلجات القلوب والمشاعرالحّية حينما يتم التقمّص والتسلل في عمق الحالات، لمعايشة الأشخاص الذين تحولوا الى مجرد شواخص وأشكال مهاجرة ونازحة داخل وطنهم، كائنات مسلوبة المقومات الحياتية الضرورية، مع توّفر نفحات روحية وجدانية نعيش معها وبها متنقلين بين السطور والعبارات، وكذلك بالإستعانه بالروح القومية والوطنية وأمنيات التحرر والغد الأفضل. فالمعاناة والجهد والتحدي والمقاومة كانت متفاعلة ومُعاشة لدى الرفاق الذين ورثوا الأصالة الرافدينية بالفطرة أولاً ثم بالوعي المكتسب ثانياً. فقضية العراق من سومر وبابل وآشور كطائر العنقاء، تتراوح بين النهوض والسقوط والإحتراق والبعث ما بين الرماد.
ولا يزال هناك موقعاً شاغراً جاهزاً في كل زمان ومكان تحت إسم ( البطولة ) لمن يريد أن يحتله، بأن يتسلق نحو القمم دون أن يسحب الآخريين نحو القاع ليتساوى معهم !. وجميعنا بإنتظار هذا البطل المُنقذ الذي له خارطة طريق ويحمل في جبينه وشم الجدارة ونكران الذات، وما علينا الا أن نتبع خطواته بلا تردد، على ان يتجاوز الأنا والظواهر الصوتية المصحوبة بالروائح الكريهة التي تزكم الأُنوف، والتركيز على الأفكار والمبادئ وليس الشخوص والأشكال!.
• هذا ما شاهدته ونقلته وأعتقدته، وهو نداء لعله يكون مفيداً لجيلنا الجديد الموعود، أو كل ما أستطيع نقله في هذه المرحلة ما دام الذهن لا يزال متوقداً.
( إنتهى ).

للاطلاع …

سرديات أليمة من داخل أسوار ابو غريب (1)
سرديات / ايام القسوة والقلق والتحدي في الأمن العامة (2)
سرديات/ التوق الى قمم الجبال من وراء الأبواب الموصدة (3)
سرديات/ مسح الغبار عن صور الحياة اليومية في المعتقل (4)

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here