
أحلام رهك
في أعتم زوايا السلطة القمعية، حيث يتداخل القمع بالقانون، وتتحوّل الحياة إلى ظلٍّ باهتٍ لذاتها، يولد المعتقل بوصفه التجسيد الأبشع لحالة الاستثناء، والمرآة الصافية التي تعكس وجه الدولة حين تنزع قناع الشرعية عن ملامحها.
المعتقل ليس مجرد مكان مغلق، بل هو فكرة، وبنية قانونية مشوَّهة، ومنطقة رمادية بين المسموح والممنوع، بين الإنسان واللاشيء. إنه فضاء يُعلَّق فيه القانون، وتُختزل فيه الكرامة، حيث يتحوّل الإنسان إلى “حياة عارية” – بحسب تعبير الفيلسوف جورجيو أغمبن – حياة بلا حقوق، بلا حماية، بلا معنى.
في عمق هذا الفضاء، يصبح المعتقل نقطة فراغ في الخريطة السياسية، حيث تُلغى القواعد، وتُمارس السلطة لا بمنطق الدولة، بل بمنطق السيادة المطلقة: منطق السيد الذي يقرّر، باسم الاستثناء، من يعيش ومن يُمحى، من يُعذَّب ومن يُنسى.
هنا، لا يعود هناك فصلٌ بين الداخل والخارج، بين القانون واللاشرعية، بين الجريمة والعقاب. كل شيء مباح: القتل بلا محاكمة، والتعذيب بلا ذريعة، والإخفاء كأنّه لم يكن. في هذا الفراغ المؤسِّس، تسود “سياسة الموت” حيث تُوزَّع الحياة والموت بقرارات فوقية، لا تخضع لمنطق أو عدالة.
في هذا السياق، لا يُعد المعتقل طارئًا على بنية الدولة القمعية، بل هو أحد أركانها الثابتة. إنه الآلية التي تُحوّل الاستثناء المؤقت إلى قاعدة دائمة، والقانون إلى أداة للعنف. إنه الاستثناء وقد استقر، والعدالة وقد انقلبت على ذاتها.
وفي قلب هذا الفراغ، يُسحق الإنسان لا لأنه مذنب، بل لأنه فقد معناه، لأنه أصبح غير مرئي في ذاكرة النظام، لأنه حُذف عمداً من سجلّ الوجود. المعتقل ليس فقط جدرانًا وأقفالًا، بل هو مساحة مستباحة للوجود، حيث يُختزل الإنسان إلى جسدٍ ملقى في زاويةٍ معتمة، ينتظر التعذيب… أو النسيان.
في المعتقل، تنهار اللغة، ويُصادر الوجدان، وتُقتل البديهيات. وهنا، يتجلّى جوهر الأنظمة الشمولية: “كل شيء ممكن”. فالمعتقل هو الامتحان الأخلاقي الأقصى لأي سلطة، والمقياس الدقيق لمدى انحدارها. حين يصبح القتل بلا تهمة، والتغييب بلا نهاية، والصراخ بلا صدى، يصبح المعتقل هو الجرح المفتوح في ضمير الأمة.
ليس المعتقل إذًا مجرّد مكان، بل فضاء بيو سياسي مكتمل، تُمارس فيه السلطة سيادتها المطلقة على الجسد والروح، وتُكرَّس فيه فكرة أن الإنسان لم يعد ذاتًا قانونية، بل مادة قابلة للإلغاء، أو “نفاية سياسية” تُلقى في العراء، خارج الزمن، خارج الذاكرة.
ويبقى السؤال الأخلاقي المؤجَّل دومًا، حاضرًا كطعنة لا تندمل:
كيف تُبنى الدول فوق عظام المسجونين؟
وكيف تستقر أنظمة على أنقاض إنسانيتها؟
المعتقل هو المرآة التي علينا أن نحدّق فيها طويلًا، لا لنشجب فقط، بل لنفهم. لأن ما يُرتكب في الظلّ، هو ما يحدّد شكل النور الذي نستحقه.
Post Views: 416