بين إدمان الخطاب وعجز الفعل في التجربة العراقية

0
60


فاضل الحلو

في العراق نكتب كثيرًا. نُتقن صناعة البيان، ونُحسن تنسيق المرسوم، ونُغرق في الصيغ البلاغية التي تَعِدُ بالتغيير كما لو أن الكلمات بذاتها تمتلك سلطة الفعل.

في كل أزمةٍ نلجأ إلى الورق؛ نصوغ اتفاقًا، نعلن ميثاقًا، نوقّع عهدًا جديدًا. غير أنّ ما يتغير غالبًا هو اللغة، لا الواقع.

لقد تحوّل الحبر عندنا إلى بديلٍ عن القوة، وصارت الخطابات تُرفع كأنها رايات معارك مؤجّلة. نؤمن بالكلمة حتى وهي عزلاء، ونتعامل مع النصوص الرسمية كما لو كانت قادرة على خلق واقعٍ من لا شيء.

نكتب قوانين الإصلاح، لكننا ننسى أن القانون بلا مؤسساتٍ قوية هو مجرد أمنية مؤطّرة. نعلن الحرب على الفساد في بياناتٍ متكرّرة، لكنّ الفاسد ما زال أقوى من البيان.

تاريخ الأمم لم يُكتب بالحبر وحده، بل بالفعل، وبالقدرة على تحويل الفكرة إلى ممارسة، والنص إلى نظام.

فالدولة لا تُبنى بالمرسوم، بل بالإنجاز؛ ولا تُصان بالخطاب، بل بالعدل والكفاءة والانضباط. الورق لا يحمي حدودًا، ولا يُطفئ صراعًا، ولا يبني مدرسةً أو مستشفى.

لقد أرهق العراق نفسه في كتابة العهود منذ تأسيسه الأول. من الدساتير إلى الاتفاقات السياسية، ومن الخطابات الوطنية إلى بيانات الإصلاح، ظلّ الورق يعلو فوق الفعل، حتى تحوّلت الكتابة إلى طقسٍ سياسي أكثر منها وسيلةَ تغيير، والنتيجة: تتكدّس النصوص، فيما تتراجع الثقة، وتبقى الدولة معلّقة بين ما يُقال وما يُفعل.

ما يحتاجه العراق اليوم ليس مزيدًا من النصوص، بل إرادة تُترجم الكلمة إلى واقع، فالقوة ليست في البيان، بل في من يملك القدرة على تطبيقه. الإصلاح الحقيقي لا يبدأ من الورق، بل من الإنسان: من نزاهته، من شجاعته، من التزامه بالواجب العام.

حين يصبح الفعل هو اللغة، وحين يُكتب البيان على الأرض لا في المكاتب، عندها فقط يمكن أن نقول إن الدولة بدأت تُكتب حقًا لا بالحبر، بل بالعمل، لا على الورق، بل في التاريخ.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here