
فاضل الحلو
في حياة الأفراد كما في حياة الأوطان، لا يُقاس المجد بعدد الانتصارات فقط، بل بعدد المرات التي سقطنا فيها ثم استطعنا أن ننهض من جديد، هذه القاعدة الإنسانية العميقة تنطبق تمامًا على العراق، ذلك البلد الذي عرف السقوط أكثر من مرة، لكنه لم يعرف الاستسلام يومًا.
العراق، على امتداد تاريخه الطويل، واجه الغزوات والحروب والحصار والانقسامات، ومع ذلك ظلّ واقفًا، كأنه شجرة جذورها في حضارة سومر وبابل، وساقها تمتد عبر القرون، وأغصانها ما زالت تثمر حياة رغم كل الرياح، فليس غريبًا على بلدٍ علّم البشرية الكتابة والقانون والفكر أن يعلّمها اليوم دروس الصبر والتجلّد.
في كل مرة يظن فيها العالم أن العراق قد انتهى، ينبعث من جديد. بعد كل أزمة، ينهض هذا الشعب من تحت الركام، يرمم بيوته، يعيد فتح مدارسه، يزرع أرضه، ويبتسم رغم كل شيء، تلك القدرة على النهوض ليست مجرد فعلٍ إرادي، بل هي فطرة مغروسة في وجدان العراقيين؛ فطرة تقول: “قد نتعب، لكننا لا ننكسر.”
لقد مرّ العراق بسنواتٍ صعبةٍ جعلت كثيرين يظنون أن الأمل قد غادر أرض الرافدين، ولكن ما يميّز العراقي هو أنه يرى في الألم معنىً للحياة، وفي السقوط درسًا للنهوض، من الحروب إلى الإرهاب، ومن الفقر إلى التحديات السياسية، ظل العراقي يصنع من العتمة شمعة، ومن الأنقاض بيتًا، ومن الصبر قصة.
العراق اليوم لا يبحث فقط عن استعادة ما فُقد، بل عن بناء إنسانٍ جديدٍ يؤمن أن النهوض لا يأتي بالمعجزات، بل بالعمل والإيمان والثقة بالمستقبل، النهوض الحقيقي يبدأ من الداخل، من ضمير المواطن، من إرادته بأن يكون فاعلًا في إعادة بناء وطنه.
ولذلك، فإن عبارة “ليس السقوط هو النهاية” ليست مجرد حكمة، بل هي ملخّص لتاريخ العراق الحديث. فكل سقوطٍ كان يحمل في طيّاته بداية جديدة، وكل ألمٍ كان يولّد أملاً، وكل جرحٍ كان يذكّر العراقيين بأنهم أقوى مما يظنون.
العراق لا يُهزم، لأنه ببساطة بلدٌ تعوّد أن ينهض ، ينهض كما ينهض النخيل بعد العواصف، ينهض كما ينهض النهر بعد الجفاف، ينهض كما ينهض الإنسان حين يتذكّر أنه خُلق ليعيش لا ليستسلم.
Post Views: 234