أحبّ تجارةٍ مع الله هي جبر الخواطر

0
116


فاضل الحلو

تعلّموا أن أجمل ما يمكن أن يتقنه الإنسان في هذه الحياة، وأصدق ما يمكن أن يتقرّب به إلى الله، هو جبر الخواطر.

فهناك عبادات تُؤدّى، وطقوس تُمارَس، لكن جبر الخاطر عبادة خفيّة لا يراها الناس، ويشهدها الله وحده، تجارة لا خسارة فيها، وربحها لا يُقاس بالمال، بل بالطمأنينة التي تسكن القلب، وبالدعوات الصادقة التي تخرج من أفواهٍ أنهكها الوجع.

في العراق، هذا البلد الذي أثقلته الحروب، وتناوبت عليه المحن، صار جبر الخواطر حاجةً يومية، لا ترفًا أخلاقيًا.

هنا تجد الأرملة التي تحمل وجع الفقد بصمت، واليتيم الذي كبر قبل أوانه، والشيخ الذي ينتظر دواءً أو كلمة طيبة، والشاب الذي أرهقته البطالة لكنه ما زال يحلم. العراق لا يحتاج فقط إلى مشاريع وبنى تحتية، بل يحتاج إلى قلوب حاضرة تشعر، وتبادر، وتربّت على الوجع قبل أن تفكّر في الأرقام.

جبر الخاطر في العراق ليس فعل إحسانٍ عابر، بل موقف إنساني ووطني. أن تقف مع أهلك، مع جارك، مع ابن مدينتك، هو شكل من أشكال الدفاع عن الوطن، فالبلدان لا تُحفظ بالسلاح وحده، بل تُحفظ بالتكافل، وبأن لا يُترك الضعيف وحيدًا في مواجهة الحياة. حين تجبر خاطر محتاج، فأنت تسدّ ثغرةً كان يمكن أن يتسرّب منها اليأس.

قد يكون جبر الخاطر كلمة تُقال في وقتها، أو مساعدة صغيرة لا تُشعر صاحبها بالمنّة، أو سعيًا لإنهاء معاملة، أو دعاءً صادقًا في جوف الليل، أحيانًا لا يحتاج الإنسان أكثر من أن يشعر بأن أحدًا يراه، يسمعه، ويهتم لأمره. وهذا بالضبط ما يفتقده كثيرون في زحام الأزمات.

في بلدٍ كالعراق، تعلّمنا التجارب أن المحتاج ليس دائمًا من يمدّ يده، بل من كُسِر خاطره ولم يجد من يسأله، وهنا تتجلّى التجارة الحقيقية مع الله: أن تبحث عن هؤلاء، أن تسبق سؤالهم، وأن تعطيهم دون أن تجرح كرامتهم. فالكرامة في هذا البلد جريحة بما يكفي، ولا تحتاج إلى كسرٍ إضافي.

إن الوقوف مع أهل العراق، مع فقرائه ومتعبه، هو وفاء لتاريخه وتضحياته. وهو أيضًا استثمار أخلاقي في مستقبلٍ أكثر تماسكًا، فحين يجبر الناس خواطر بعضهم، يقلّ الحقد، وتخفّ القسوة، ويكبر الأمل. وهذا ما نحتاجه اليوم أكثر من أي وقت مضى: أملٌ يُصنع بأيدينا، لا يُنتظر من الخارج.

تعلّموا أن تجارة مع الله لا تحتاج إلى رأس مال كبير، بل إلى قلبٍ حيّ، وجبر الخواطر في العراق هو أعظم هذه التجارة، لأنك لا تجبر فردًا واحدًا فقط، بل تسهم في شفاء وطنٍ بأكمله.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here